الجنيد البغدادي

54

رسائل الجنيد

شهوات الدنيا ولذاتها ، وأطلع عليه في كل يوم سبعين ألف مرة ، وأزيد له في كل ساعة من لذائذ حبي وحلاوة أنسي وأشدد شوقه لي وأملأ قلبه نورا من نوري حتى إنه في كل ساعة ينظر إلى لطائف صنعي وكمال توددي ، وأمسح برأسه وأضع يدي على ألمه حتى لا يشكو مني إلى غيري ، وكلما أسمع خفقان قلبه من الشوق إلى لقائي ازددت شوقا إلى لقائه ، لولاي لم يشتاقني ، فقال يحيى : حقيق علي أن لا يسكن قلبي حتى أصل إليك . فقال له الرب جل وجلاله : يا يحيى وكيف يسكن قلب المريد المشتاق ، وأنا غاية منيته ، ومنتهى أمله ، وأنا في كل ساعة أتقرب منه حين يتقرب مني ، وأسمع كلامه وأعلم أسفه وأحب صوته ، يا يحيى : فبعزتي وجلالي لأبعثنه يوم القيامة مبعثا يغبطه به الأولون والآخرون ، ثم آمر مناديا ينادي تحت عرشي هذا فلان بن فلان ، هذا وليي وصفيي ، أنا اللّه لا إله غيري ، دعوته لتقر عينه بالنظر إلى وجهي ، يا ملائكتي ارفعوا الحجاب فيما بيني وبين حبيبي ، حتى ينظر إلى وجهي ، كيف يشاء ، وأنا الذي ابتدئه بالسلام أقول له السلام عليك يا عبدي أبشر فو عزتي وجلالي لأتخذك لنفسي ، فقال يحيى عليه السلام سبحانك يا رب ثم صعق صعقة عظيمة لم يفق إلا بعد ثلاثة أيام فلما آفاق قال سبحانك يا رب عجبا لمن عرفك كيف يشتغل بغيرك ، سبحانك ما أكثر توددك إلى أولياؤك وأصفيائك يا خير مأمول وخير مقصود أنت أنسي ما بقيت ، وصاحبي ما حييت ، وجليسي بك اكتفيت ، وفي بعض الكتب المنزلة أن اللّه سبحانه وتعالى يقول وإذا كان الغالب على عبدي الاشتغال بي عن غيري ، جعلت لذته في ذكري ، وهمته في محبتي ، والأنس بي ، ورفعت الحجاب فيما بيني وبينه ، وكنت له سمعا وبصرا ، وكنت ممثلا بين عينيه حتى كأنه ينظر إلي لا يسهو إذا سهى الناس ، ولا يغفل إذا غفلوا أولئك كلامهم كلام الأنبياء بهم ، أصرف الزلازل والعذاب عن أهل الأرض ، أولئك أوليائي حقا ، حقا لهم عندي ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، وإني أسمع أنينهم وأرى بكاءهم من شوقي ، وأعلم خفقان قلوبهم من أجلى وكل ساعة أنظر إليهم فأني حلفت لأرفعن الحزن من قلوبهم حتى يستريحوا بي ويعلموا أنى لهم نعم المولى في الدنيا والآخرة . وروي في بعض الأخبار أن اللّه سبحانه وتعالى أوحى إلى داود النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أن : يا داود أخبر أهل الأرض وأعلمهم أني ذاكر من ذكرني ، وحبيب من أحبني ،